صبرًا يا طرابلس… بقلم: المهندس محمد نوري الصوفي

خلال الخمسين سنة الأخيرة أخذت المدن بالنمو مقاومة

محاولات الحد لتوسعها وهذا ما أدى لتغييرات جذرية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
وقد كان لتلك التغيرات سلبيات وإيجابيات بالغة الأهمية بالنسبة لتلك المستقرات البشرية.
فتطبيق اللامركزية الإدارية أدى لإيجاد فرص أكبر لتحقيق فعاليات هامة في دفع العمليات التنموية وهذا ما يدخل في حيز الإيجابيات.
أما السلبيات فتركزت في الازدحام الحضري والتدهور البيئي مما أدى إلى تناقص قدرة الإدارات المركزية والمحلية على التحكم في عمران المدن وإدارتها.
من هنا كان تحقيق اللامركزية الإدارية ضرورة مما لها من دور إيجابي في إعداد وتنفيذ المخططات العمرانية.
علمًا أن أهم ما يواجه فشل تلك المخططات هو عدم التكامل بين الإدارة المركزية والإدارة المحلية إذ أن تنفيذ المخططات يحتاج لجهود ضخمة للتنسيق بين الجهات الفاعلة ذات الصلة حيث نجاح المخطط يحدده ما يتحقق من أهداف.
فالتحولات السلبية التي تطرأ على المدن لا تواجه إلا بتطبيق صحيح ودقيق للامركزية مدعومًا بوجود مخطط عمراني تقني وأساليب للإدارة المحلية متطورة. فلكل من الإدارتين المركزية والمحلية دور هام في إعداد وتنفيذ ومتابعة المخططات العمرانية مما يفرض تكاملاً حقيقيًا بين الإدارتين.
ولأن الإدارة المحلية إن لم تتمتع بالاستقلالية فإنها ستخضع حتمًا لهيمنة الإدارة المركزية فيرتهن القرار البلدي لمصلحتها وتصبح الإدارة المحلية تابعة وتتحول معها الرقابة إلى غطاء لتلك الهيمنة فتفشل الإدارة ويبتز المواطن.
ذاك المواطن الذي كان عليه لزامًا أن يختار مجلس مدينته متوسمًا فيه مقدرة العطاء ونظافة الكف والفكر كي يتحلى الجميع بالأخلاقية ضمانة للأسلوب الجيد في مخاطبة الناس ومشاكلهم متجردين لخدمة الشأن العام ومحاولين خلق الألفة بين الاتحادات أو التجمعات ليكون لتلك التجمعات صوتًا قويًا واحدًا.
فالمجلس ورئيسه لهم حرية القرار فيما يجدونه مناسبًا ومنسجمًا مع الحاجات المحلية فهم على علاقة وثيقة بالقدرات المحلية وهم الأقرب لعامة الناس وهم الأدرى بشؤون المدينة وأهلها.
كما أنه عليهم أن يستشعروا الحاجات وأن يتنبؤا بالمتطلبات ليحملوها عبر رئيس المجلس إلى مصادرها في الإدارة المركزية لجلب الحلول، هذا كله قبل أن تطلب الخدمات من قبل الناس وقبل أن تنزل وتستفحل المشاكل والأزمات إذ أن عامة الناس تفيق على الأشياء متأخرة وتكون قد وقعت المشاكل واستفحلت.
من هنا كانت الضرورة لنقل المتطلبات دون كسل أو تخاذل وكان مرفوضًا أي عذر في عدم التنبه إلى إمكانية حصول المشاكل.
كما أنه كان لزامًا على الرئيس أن يوسع الرؤية للعاملين بالشأن العام لتطوير المدينة بمساعدتهم على تحقيق الإدارة المشتركة في مناطقهم وهذا ما يطبع حسن التصرف ولباقته وحسن العمل في تحقيق العمل البلدي.
كما أنه يتوجب على الرئيس أن يعتمد على رجالات الجهاز التنفيذي ورؤساء الإدارة والمصالح والدوائر لأن هؤلاء بحضورهم الثابت ومواجهتهم واحتكاكهم بالأمر الواقع كل يوم في مجالات عملهم يشكلون قيادة سياسية موجهة هي طريقة للعمل الاجتماعي.
فالرئيس إداريًا هو واجهة العمل الذي يجعل من الأعمال أعمالاً لخدمة الشأن العام.
والرئيس محليًا عليه أن يعي أنه يمثل منطقة محلية لمواطنين وتجمعات اجتماعية.
لهذه الحيثيات كان عليه أن يكون دائمًا في صراع وسباق كي يمارس مهامه كسلطة محلية.
من هنا كان العمل البلدي عملاً إنمائيًا يعتمد على أعضاء المجلس البلدي ورئيسه الذين يستطيعون أن يستثمروا المواقف والنتائج سياسيًا لمصلحة المدينة، فإن نجحوا في ذلك استطاعوا أن يترشحوا مرة أخرى لشغل نفس المنصب مثبتين أنهم كانوا رجال إدارة للمشاكل والأزمات من الطراز الأول.
والسؤال الآن: لمن أتى بالمجالس البلدية لمدينتنا الحبيبة هل استطاع رئيسًا أو عضوًا في المجلس البلدي أن يحقق ذاته؟
الجواب: لا، لأن ما من صاحب اختصاص وصل. ناهيك عن المصداقية في تحقيق الذات وخدمة المدينة… فصبرًا يا طرابلس
المهندس محمد نوري الصوفي
رئيس اللجنة الثقافية في الرابطة الثقافية
عضو المجلس البلدي في مدينة طرابلس سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.